لم يكن الركن الصغير في أحد ممرات «بلاس فاندوم» في لوسيل مجرّد مساحة عرض عابرة؛ كان أشبه بمنصة إعلان هادئة تقول للجميع: التوظيف حق، وليس امتيازاً هناك أطلق برنامج «بست باديز قطر» التابع لمركز الشفلح للأشخاص ذوي الإعاقة، ركنه التوعوي «أنا مع التوظيف» ضمن فعالية التوظيف المدمج، بهدف توعية المجتمع بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة في سوق العمل، وتصحيح الصورة النمطية عن قدرتهم على الأداء والإنجاز.
الركن لم يكن مجرد شعار؛ على الجدار عُلِّقت سير ذاتية حقيقية لشباب وشابات من ذوي الإعاقة، يحمل كل ملف منهم قصة مهارة وطموح وتجربة عمل. المتحدثة باسم مركز الشفلح، عايدة الشيراوي، لخّصت الهدف بعبارة واضحة: الرسالة الأساسية أن الأشخاص ذوي الإعاقة لهم حقوق في سوق العمل مثل غيرهم، وأنهم موجودون فعلياً في بيئات العمل، ويقدّمون أداءً ملموساً بفضل التدريب المستمر الذي يحصلون عليه.
برنامج «بست باديز قطر»، الذي تأسس عام 2008 تحت مظلة مركز الشفلح، ليس مبادرة ظرفية، بل جزء من شبكة عالمية تهدف إلى خلق فرص للصداقة، والتوظيف المدمج، وتطوير المهارات القيادية للأشخاص ذوي الإعاقة؛ وفي قطر يركز البرنامج على مسار «التوظيف المدمج» بوصفه بوابة رئيسية للاستقلالية والدمج، ويعمل مع مؤسسات مختلفة لتوفير بيئات عمل حقيقية لا رمزية، يتم فيها توظيف أصحاب الهمم وفق عقود واضحة ومهام فعلية.
في ركن «أنا مع التوظيف» قُدِّمت نماذج حيّة لقصص نجاح؛ عرض البرنامج حكاية شاب من ذوي الإعاقة داخل بيئة عمله، والتحديات اليومية التي يواجهها، وكيف تجاوزها بالدعم والتدريب والتكييف المعقول في مكان العمل. كما أُتيح لزوار الركن التعرّف على أصحاب الهمم مباشرة، وسماعهم وهم يتحدثون عن تجاربهم الوظيفية وتطلعاتهم الشخصية. أحد المشاركين، صلاح محمد، تحدّث لعدسات الجزيرة مباشر عن تجربته في العمل بمحطة وقود، وكيف ساعدته هذه التجربة على تطوير مهاراته واكتساب ثقة أكبر بنفسه، مشيراً إلى أن مشاركته في الفعاليـــــة منحته فرصة للتعرف على أصدقاء جدد والشعور بالسعادة والانتماء.
مشاركة أخرى، جودي عبد الرحيم، عبّرت عن شغفها بمجال الخياطة، مؤكدة رغبتها في الحصول على فرصة عمل تمكّنها من تحويل مهارتها إلى مسار مهني مستقر. هذه الشهادات الشخصية نقلت الفعالية من مستوى «الخطاب العام» إلى مستوى «القصة الإنسانية»، وربطت بين الشعار والشخص، وبين الحقّ والوجه الذي يمثّله.
اختيار «بلاس فاندوم» لم يكن تفصيلاً عابراً؛ فتنظيم الفعالية في مركز تجاري فاخر يرتاده آلاف الزوار يومياً أتاح وصول الرسالة إلى شريحة واسعة من المجتمع، من عائلات وشباب وموظفين وزوار من خلفيات مختلفة. وبالتوازي مع تغطيات تلفزيون قطر ومنصات التواصل الاجتماعي الخاصة بـ«بست باديز قطر» التي رددت الشعار «التوظيف حق — وليس امتيازاً»، تحوّل الركن إلى مساحة تفاعل بين الجمهور وأصحاب الهمم، حيث طُرحت أسئلة، وتبدلت نظرات، وتغيّرت قناعات.
المبادرة لا يمكن قراءتها بمعزل عن الإطار الأوسع؛ فهي تأتي في قلب المسار الذي تبنّته دولة قطر خلال السنوات الأخيرة لتعزيز حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، سواء عبر التشريعات التي تضمن فرصاً عادلة في التوظيف، أو عبر البرامج المتخصصة في التأهيل المهني والتدريب الوظيفي، أو من خلال مبادرات المجتمع المدني التي تكمّل دور الدولة وتضيف له بعداً إنسانياً وتجريبياً في الميدان. ووفق رؤية قطر الوطنية 2030، يُعدّ تمكين الإنسان، بما في ذلك الأشخاص ذوو الإعاقة، ركيزة أساسية للتنمية البشرية والاجتماعية، وهو ما تجسده مثل هذه الفعاليات التي تربط بين السياسات العامة والتجربة اليومية للمواطن والمقيم.
موقع «بست باديز قطر» الرسمي يشير بوضوح إلى أن برنامج التوظيف المدمج لا يقتصر على توفير فرص عمل، بل يعمل أيضاً على مرافقة المنتسبين في مسارهم الوظيفي؛ بدءاً من التدريب على مهارات التواصل والاستعداد للمقابلات، مروراً بالمطابقة بين قدرات الشخص ومتطلبات الوظيفة، ووصولاً إلى متابعة علاقة الموظف بمكان العمل لضمان استدامة التجربة. كما تسلّط أخبار البرنامج الأخيرة الضوء على أن ركن «أنا مع التوظيف» في فاندوم مول الوسيل خُصِّص أيضاً لعرض قصص نجاح، وتشجيع أصحاب الأعمال على التفكير في التوظيف المدمج بوصفه خياراً عملياً قابلاً للتطبيق، لا شعاراً نظرياً.
على منصات التواصل الاجتماعي، ظهر الشعار موثقاً بصور ومقاطع قصيرة لأعضاء البرنامج وهم واقفون في قلب المركز التجاري، بملابسهم الرسمية وبطاقاتهم التعريفية، إلى جانب عبارات مثل: «هم مستعدون للتوظيف، أنتم مستعدون؟» في إشارة مباشرة لأصحاب الأعمال وصناع القرار، ورسالة قوية بأن الكفاءات موجودة وجاهزة، وأن المطلوب هو إزالة العوائق وفتح الأبواب.
أهمية هذه الفعالية لا تكمن فقط في التوعية العامة، بل في النموذج الذي تقدمه لطريقة التعامل مع قضية التوظيف لذوي الإعاقة. فبدل الاكتفاء بخطاب الشفقة أو الحملات الموسمية، اختارت «بست باديز قطر» أن تبني خطاباً جديداً قائماً على ثلاثة عناصر رئيسية:
إبراز الكفاءة قبل الإعاقة، وتقديم قصص نجاح حقيقية لا صورية، وتحويل الفضاءات العامة – مثل المجمّعات التجارية – إلى منصات نقاش وتغيير في السلوك المجتمعي تجاه أصحاب الهمم.
في عمق هذه التجربة، يبرز سؤال بسيط لكنه جوهري: هل نحن مستعدون، كمؤسسات وأفراد، للتعامل مع التوظيف المدمج كجزء طبيعي من بيئة العمل؟ ركن «أنا مع التوظيف» قدّم إجابته بالفعل: هناك جيل من الشباب من ذوي الإعاقة جاهز، مدرَّب، ومتحمّس، وكل ما يحتاجه هو فرصة عادلة ومساحة ثقة. وما دامت المبادرات من هذا النوع تتكرّر وتكبر، فإن المسافة بين الوعي والتطبيق ستضيق، وسيصبح وجود أصحاب الهمم في مواقع العمل قاعدة لا استثناء، وحقاً لا منَّة، وواقعاً لا شعاراً.
هذا النوع من الفعاليات ينسجم تماماً مع الروح التي تريد قطر ترسيخها في مجتمعها: مجتمع متماسك، منفتح، عادل، يضع الإنسان – كل إنسان – في قلب خططه للمستقبل، ويمنح لكل فرد مساحة أن يقول بثبات (أنا موجود.. وأنا قادر.. وأنا مع التوظيف)
