في زمن تتسارع فيه المبادرات الشبابية وتتنوع، برز اسم الشاب طالب الصعيري بوصفه واحداً من أكثر الوجوه إلهاماً في مجتمع ذوي الهمم في قطر. فهو شاب قطري من فئة الصم، استطاع أن يحول إعاقته السمعية من قيد إلى طاقة، ومن تحد إلى فرصة، عبر إطلاق مشروع خاص يقوده بنفسه ويشارك فيه فريق كامل من الصم والبكم، ليصبح نموذجاً حياً على أن الصوت الحقيقي للإنسان لا يصدر من الحنجرة، بل من الإرادة التي لا تقهر.
طالب لم يبدأ مشروعه من باب الترف أو حب الظهور، بل من شعور داخلي بالحاجة إلى مساحة عملية تثبت أن الصم ليسوا مجرد متلقين للدعم، بل قادرون على أن يكونوا منتجين، مبتكرين، وقادة في مجالاتهم. كان يدرك أن مشكلة فئة الصم ليست في قدراتهم، بل في نظرة المجتمع التي تحصرهم في أدوار محدودة. لذلك قرر أن يبدأ مشروعاً يفتح لهم نافذة على العمل المهني، ويمنحهم مكاناً يشعرون فيه بأنهم جزء من حركة الحياة اليومية، لا معزولون عنها.
الفكرة لم تكن سهلة عند بدايتها؛ فقد واجه طالب تحديات مضاعفة؛ التحدي الأول كان تأسيس مشروع خاص بإمكانات محدودة، والتحدي الثاني كان إقناع الآخرين بأن فريقاً كاملاً من الصم قادر على إدارة العمل بكفاءة واحتراف ومع ذلك، فإن إصراره على تغيير الواقع كان أقوى من كل العقبات. كان يقول بلغته الخاصة إن “الإعاقة ليست عائقاً؛ العائق الحقيقي هو أن يستسلم الإنسان لنظرة الآخرين”.
مشروع طالب لم يكن مجرد نشاط تجاري أو خدمة معينة، بل كان مشروعاً ذا رسالة. رسالة تؤكد أن الأشخاص الصم قادرون على التفاعل والتواصل، والإنتاج. وأن لغة الإشارة يمكن أن تتحول إلى لغة عمل محترفة. ومع مرور الوقت، لم يعد المشروع مجرد مبادرة فردية، بل أصبح مساحة عملية تثبت يومياً أن الصمت ليس ضعفاً، وأن التواصل لا يحتاج صوتاً كي يصل إلى الآخرين.
ومع أن المشروع يدار من قبل فريق يتواصل بالإشارة، إلا أن تفاعل الناس معه كان استثنائياً. فبدل أن ينظر إليهم نظرة عطف، أصبح كثيرون ينظرون إليهم بإعجاب وانبهار. اكتشف المجتمع أن التواصل لا يقتصر على الصوت، بل على الموقف والحضور والنية. وهذا التفاعل فتح باباً جديداً بين فئة الصم وبين المجتمع الأوسع، وساعد في كسر الحواجز النفسية التي كانت تفصل الطرفين لسنوات طويلة.
طالب نفسه تغير خلال هذه التجربة. فقد منحه المشروع ثقة أكبر في ذاته، ورسخ لديه قناعة بأن القيادة ليست حكراً على من يستطيع التحدث، بل على من يستطيع التأثير وأصبح يشعر بأن مشروعه يمثل جزءاً من هويته، وأن نجاحه هو نجاح لفئة كاملة ترى فيه اليوم نموذجاً مختلفاً عما اعتادته كما كان يعتبر كل خطوة يحققها المشروع بمثابة انتصار صغير على التحديات التي رافقت حياته منذ طفولته.
ومع اتساع نطاق المشروع، بدأ طالب يفكر في خطوات مستقبلية تعزز فرص العمل أمام ذوي الإعاقة السمعية، سواء عبر تدريبهم، أو عبر إشراكهم في أنشطة أخرى تظهر قدراتهم المهنية. لم يكن هدفه فقط تشغيل فريق من الصم، بل تمكينهم، وجعلهم جزءاً من مسار اقتصادي واجتماعي متكامل، مما يعزز ثقافة الدمج التي باتت قطر توليها اهتماماً كبيراً خلال السنوات الأخيرة.
إن ما فعله طالب لم يكن مجرد إطلاق مشروع خاص، بل كان إطلاق رؤية شاملة تعيد تعريف ما يمكن للصم أن يقدموه في المجتمع. لقد أثبت أن الذكاء لا يقاس بالصوت، وأن القيادة لا تعرف باللغة المنطوقة، وأن النجاح يمكن أن يتحدث بصمت أبلغ من كل الكلمات. مشروعه اليوم يقف بوصفه دليلاً واضحاً على أن العزيمة حين تتجاوز حدود الجسد تصبح قوة قادرة على تغيير الواقع.
وفي النهاية يقدم طالب الصعيري نموذجاً لشاب قطري آمن بأن الإعاقة ليست نهاية الطريق بل بدايته، وأن الإرادة وحدها قادرة على تحويل أي صمت إلى رسالة مؤثرة. مشروعه ليس مجرد مبادرة اقتصادية، بل حكاية أعمق بكثير: حكاية مجتمع يستيقظ على حقيقة أن التنوع قوة، وأن ذوي الهمم ليسوا على الهامش، بل في صميم الحركة التي تصنع المستقبل.
