في عالم الرياضة، قد تُقاس الإنجازات بالأرقام والميداليات، لكن هناك إنجازاً أعمق لا يُقاس إلا بالإرادة. هذا ما يجسده فريق كرة الهدف للمكفوفين في قطر، الفريق الذي حول العتمة إلى مساحة واسعة من الضوء، وجعل من ملاعب الهدف منصة تبرز فيها قوة الروح قبل قوة الجسد.
منذ اللحظة الأولى للقاء أعضاء الفريق، يدرك المرء أن كل لاعب يحمل قصة خاصّة، يجمعهم خيط رفيع اسمه عزيمة لا تنكسر. فالكابتن محمد بشير الذي بدأ مسيرته في ألعاب القوى قبل أن ينتقل إلى كرة الهدف عام 2005، يتحدث عن بداياته بدهشة الرياضي الذي اكتشف لعبة لم يكن يعلم بوجودها. إلى جانبه كان يقف الكابتن محمد المحمد، زميله القديم في ألعاب القوى، الذي انضم للفريق بعده بعام ليبدأ رحلة جديدة في ميدان مختلف. أما الكابتن إكرامي، فيصف انضمامه للمنتخب عام 2011 بأنه “واحد من الحظوظ الجميلة في حياته”، خاصة بعدما شارك لأول مرة في بطولة الأردن 2012.
ورغم اختلاف القصص، إلا أن البدايات كانت مليئة بالتحديات. فإكرامي يرى أن مجرد اهتمـــــام شخص من ذوي الإعاقـــــة بالرياضة هو تحدٍّ إضافي، لأن التفوق في الملعب يتطلب توازناً بين الحياة الأكاديمية والمهنية والأسرية إلى جانب الالتزام الرياضي. أما محمد بشير فكان التحدي بالنسبة له هو إتقان اللعبة في ظل عدم معرفته بها سابقاً، وكيف يمكن لكفيف أن يتقن رمي الكرة أو توقع مسارها. الكابتن محمد المحمد كان يعيش معركة أخرى: الخجل الاجتماعي. كان مبصراً في السابق، وفقد بصره لاحقاً، ومع ذلك رفض أن تكون تلك النهاية. الرياضة كانت بوابته للعودة إلى المجتمع بثقة جديدة.
بالنسبة لهم، كرة الهدف ليست مجرد لعبة، بل هوية ومسؤولية ونافذة نحو الذات. الكابتن المحمد يراها تكليفاً وواجباً وطنياً لكونه لاعب منتخب، فيما يعتبرها إكرامي جزءاً من أيامه الأجمل، مستذكراً لحظة تتويج الفريق بذهبية آسيا — لحظة تفوقت على كل مناسبات حياته الأخرى. أما بشير فيراها متنفساً يطلق من خلاله طاقته ويشعر بنشوة الانتصار الحقيقي.
المشاركة في البطولات تحمل مشاعر لا يمكن اختصارها. يقول بشير إن الفوز يجعله يشعر بأنه أعطى الفريق شيئاً يستحقه رغم الأخطاء، بينما يؤكد المحمد أن الانتصار يملؤه حماساً وثقة أكبر. أما إكرامي، فيصف لحظة المشاركة مع المنتخب بأنها مزيج من الرهبة والفخر، مشيراً إلى أن طعم الفوز “قصة مختلفة تماماً”.
ورغم أن اللعبة تبدو بسيطة في الظاهر، فإنها في الواقع تعتمد على قدرات خاصة. فكل اللاعبين يرتدون نظارات تحجب البصر بالكامل، حتى من يملك بقايا رؤية، ليصبح السمع هو البطل الأول. التواصل، تغير المراكز، التمرير، الدفاع، قراءة صوت الكرة في جزء من الثانية كلها مهارات لا يُتقنها إلا من يمتلك تركيزاً عالياً وسمعاً شديد الحساسية وقوة بدنية واستجابة سريعة.
أما التكنولوجيا، فقد فتحت لهم باباً جديداً للتطور؛ فالمحمد يوضح أن الاطلاع على جداول تدريب المنتخبات العالمية أصبح متاحاً بضغطة زر، بينما يرى إكرامي أن دور التكنولوجيا يبرز أكثر في تحليل الأداء وقياس سرعة الكرة واتجاهاتها.
ولا يكتمل الأداء دون المدرب، فهو—كما يقول إكرامي—“عين اللاعبين في الملعب”، ينقل لهم صورة الخصم، ويضبط الإيقاع العام للفريق. يضيف محمد بشير أن دور المدرب يبدأ قبل المباراة ولا ينتهي إلا بصفارة النهاية. بينما يؤكد المحمد أن التدريب عملية تتطلب تكاملاً بين اللاعب والمدرب والاتحاد، خاصة أن اللعبة للمكفوفين وتتطلب مساعدين ومرافقين بشكل دائم.
التنسيق داخل الملعب قطعة فنية خاصة، لا تُرى بالعين بل تُسمع بالأذن. فلكل فريق لغته الخاصة، أصوات وإشارات يفهمها اللاعبون فقط. الدور الأكبر يكون للاعب الدفاع في المركز الأوسط، الذي يربط بين الجهتين ويقود الإيقاع الدفاعي والهجومي.
وخلال مشوارهم، عاش اللاعبون لحظات لا تُنسى. من بينها تتويجهم ببطولة غرب آسيا 2019 في الأردن، وفوزهم بالبرونزية في كأس سيسيليا في بولندا بعد هدف ذهبي على إيطاليا.
وعن تغيير نظرة المجتمع، يرى المحمد أن الرياضة وحدها لا تكفي، فالأمر يرتبط بثقافة المجتمع نفسه، لكنه يعترف أن الرياضة منحته ثقة هائلة كانت سبباً في استكمال دراسته وزواجه واندماجه في المجتمع. أما إكرامي فيرى أنها درعه في مواجهة التنمر والإقصاء: “أنا أمثل المنتخب….من أنت؟”
وبرغم أن الرياضة لا تغيّر الحياة مباشرة كما يرى بشير، فإنها تجعل الشخص أكثر تنظيماً وتوازناً بين شؤونه اليومية. وعن الوعي المجتمعي، يشير إكرامي إلى وجود جهود لا بأس بها لكنه يطمح إلى المزيد، خاصة في إشراك الأطفال والشباب في رياضات ذوي الإعاقة. بينما يرى المحمد أن البداية يجب أن تكون من المدارس، عبر تدريب المعلمين على أساليب التعامل الرياضي مع ذوي الإعاقة، لأن القاعدة هي بوصلة المستقبل.
وفي رسالتهم الأخيرة، اتفق اللاعبون الثلاثة على دعوة كل شخص من ذوي الإعاقة إلى الانضمام إلى الاتحاد الرياضي، مؤكدين أن الرياضة تمنح الثقة وتبني العلاقات وتفتح الأبواب. كما وجّه المحمد رسالة إلى الأهالي بدعم أبنائهم ومساعدتهم على اكتشاف مواهبهم.
أما عن الطموحات، فيسعى الفريق إلى تحسين تصنيفه الدولي عبر المشاركة والفوز في البطولات. إكرامي يطمح إلى منصة جديدة في غرب آسيا وبلوغ الألعاب الآسيوية في اليابان، بينما يأمل المحمد أن يرى المنتخب مدعّماً بجيل شاب تتراوح أعمارهم بين 18 و24 عاماً، لما يمتلكونه من طاقة قادرة على تغيير مستقبل الفريق.
في ختام هذا اللقاء، تظهر حقيقة واحدة واضحة: هؤلاء اللاعبون ليسوا مجرد رياضيين… إنهم مدرسة في الإرادة، وأبطال رسموا طريقهم بنور قلوبهم، لا بعيونهم. نجاحاتهم ليست قصصاً تروى، بل رسائل حيّة لكل شخص يواجه تحدياً في حياته بأن القوة الحقيقية تأتي من الداخل، وأن لا شيء يقف أمام من يؤمن بنفسه.
