لم يكن دخول البطل القطري محمد راشد الكبيسي عالم الرياضة مصادفة، فالشغف باللعب والحركة رافقه منذ طفولته. بدأ طريقه برمي الرمح، ومنها انتقل تدريجياً إلى سباقات الجري على الكراسي، اللعبة التي وجد فيها ذاته الحقيقية. تلك الرياضة التي تتطلب عضلات قوية، اتصالاً عميقاً بالكرسي، وقدرة على قراءة المضمار بذكاء، أصبحت بالنسبة لمحمد وسيلته للتعبير عن القوة التي يحملها داخله.
كانت البداية مليئة بالصعوبات؛ إذ واجه تحدياً كبيراً في التكيف مع الجلوس في الكرسي الرياضي الذي لم يكن مصمماً على مقاسه. جلسة الكرسي — التي تعد من أهم عناصر نجاح أي رياضي في هذا المجال — كانت سبباً في ألم وانزعاج مستمر، قبل أن يحصل على كرسي مناسب يساعده على الانطلاق بكل طاقته. ومع ذلك، لم يثنه هذا التحدي عن مواصلة تدريباته، فالإرادة بالنسبة له كانت أكبر من أي قيود جسدية.
ومع أول مشاركة له، تغيّر كل شيء. المشجعون، زملاء اللاعبين، الأجواء الحماسية… كل هذه التفاصيل أشعلت بداخله رغبة أكبر في الاستمرار، ورسمت أمامه طريقاً واضحاً نحو القمة. شعر حينها أن الرياضة ليست مجرد نشاط يومي، بل مشروع حياة، وأن المضمار هو المكان الذي ينتمي إليه حقاً.
خلال مسيرته الرياضية، عاش محمد لحظات فخر لا تُنسى، أبرزها عندما حقق أول ميدالية برونزية في كوريا عام 2014، ثم حقق إنجازاً جديداً في بطولة العالم في قطر عام 2015. كان يحمل الميدالية بين يديه وكأنها شهادة بأن العزيمة قادرة على تجاوز كل الحدود.
ومن أجل تحسين أدائه وسرعته، يعتمد محمد على نظام تدريب متكامل يشمل تقوية العضلات، تمارين السرعة، وتمارين التحمل. فهو يؤمن أن الجسد منظومة واحدة، وأن كل تدريب مهما بدا بسيطاً يسهم في رفع مستواه على الكرسي. كما يحرص على البقاء هادئاً أثناء المنافسات عبر التركيز الكامل على السباق وعدم السماح لأي أفكار مشوشة بالتسلل إلى ذهنه.
ويحرص محمد، من خلال مشاركته في الفعاليات الرياضية المختلفة، على تشجيع الآخرين من ذوي الاحتياجات الخاصة على الدخول إلى عالم الرياضة، مؤمناً بأن الاحتكاك المباشر يمنحهم دفعة كبيرة لكسر الحواجز النفسية. فهو يدرك تماماً أن الكثيرين لا يحتاجون إلا لخطوة أولى، ونموذج يلهمهم، ليكتشفوا قدراتهم الحقيقية.
ورغم نجاحاته، يعترف محمد بأن رياضة الجري على الكراسي ما تزال بحاجة إلى دعم أكبر، سواء من حيث الأدوات المتقدمة أو الدعم المادي أو حتى توفير مضمار مخصص للتدريب. ويرى أن المجتمع يمكن أن يلعب دوراً أساسياً في دعم الرياضيين من ذوي الإعاقة، من خلال زيادة الوعي لدى أولياء الأمور، وتكثيف الأنشطة والورش داخل المدارس، وتقديم دورات تنمي مهارات الأطفال والشباب في هذا المجال.
الإرادة والعزيمة والشغف… هذه هي المحركات الأساسية التي تدفع محمد للاستمرار، وهي ذاتها التي تجعله ينظر إلى المستقبل بثقة كبيرة. فهو يرى أن هذه الرياضة تتطور عالمياً بشكل ملموس، وأن قطر قادرة على تحقيق مستقبل عالمي باهر في هذا المجال، خاصة مع دخول عدد أكبر من اللاعبين وازدياد الاهتمام بالبطولات الخاصة بأصحاب الهمم.
وينهي محمد حديثه بنصيحة صادقة لكل من يرغب في دخول عالم الرياضة من ذوي الاحتياجات الخاصة: يجب زيارة الاتحاد، وتجربة مختلف الألعاب، والأهم من ذلك ترك الخوف وراءهم؛ فالبداية تحتاج إلى جرأة، وما بعد تلك الخطوة الأولى سيكون أسهل بكثير مما يظنون.
محمد راشد الكبيسي اليوم ليس مجرد لاعب يجري على الكراسي؛ بل قصة إصرار حيّة تؤكد أن النجاح لا يبدأ من القدمين بل من القلب، وأن الإرادة حين تتحرك… تتجاوز كل الحواجز.
