منذ انطلاقتها، استطاعت مبادرة «أنا أقدر» أن ترسم مساراً جديداً في رؤية المجتمع لدور الأشخاص ذوي الإعاقة، وأن تُحوّل فكرة المبادرة من مجرد نشاط طلابي محدود إلى منصة تأثير حقيقية استطاعت أن تغيّر الكثير من المفاهيم السائدة، وأن تقدم نموذجاً يُحتذى به في العمل التطوعي والتمكين المجتمعي. وقد جاء فوز المبادرة بالنسخة الثالثة من جائزة «أخلاقنا»، التي تشرف عليها مؤسسة قطر، تتويجاً لجهود متواصلة بُذلت خلال فترة قصيرة، واعترافاً رسمياً بقيمة الأثر الإنساني الذي أحدثته في المجتمع القطري.
بدأت «أنا أقدر» رحلتها في مايو 2019 من مركز الدمج ودعم ذوي الاحتياجات الخاصة في جامعة قطر، ومنذ اللحظة الأولى حملت رؤية واضحة تقوم على نقل ذوي الإعاقة من موقع المتلقي إلى موقع الفاعل في المجتمع، وإعادة تعريف نظرة الناس إلى هذه الفئة من كونها فئة تحتاج إلى المساعدة فحسب، إلى فئة قادرة على أن تمنح، وتساهم، وتشارك في الأنشطة الاجتماعية والخيرية والثقافية. ومع انضمام أكثر من 100 عضو إلى المبادرة، غالبيتهم من أصحاب الهمم، تشكلت بيئة جماعية قائمة على الدعم والتطوع والعمل المشترك، وأصبحت المبادرة منصة تشاركية توفر للأعضاء شعوراً بالثقة والانتماء.
وعلى مدى عام واحد فقط، نظمت المبادرة ست حملات واسعة، حملت كل منها رسالة اجتماعية واضحة، واستهدفت قطاعات مختلفة من المجتمع. فمن حملة «مشكورين» التي ركزت على تعزيز التكافل والشكر والامتنان لأصحاب الفضل، إلى حملة «ما قصرتو» التي سلّطت الضوء على كبار السن ودورهم في المجتمع القطري، مروراً بحملة «عشانك» للتوعية بسرطان الثدي، وحملة «وفاء» التي هدفت إلى تعزيز قيم التعليم وتمكين الطلبة، وحملة «ديرتنا» التي ركزت على الحفاظ على البيئة، وحملة «تصدق معنا» التي استهدفت مساعدة المحتاجين ونشر ثقافة البذل والعطاء.
هذه الحملات لم تكن مجرد فعاليات، بل كانت تطبيقاً عملياً لفكرة الدمج المجتمعي، حيث شارك فيها أصحاب الهمم جنباً إلى جنب مع زملائهم، وتفاعل معهم المجتمع بطريقة عكست احتراماً كبيراً لجهودهم.
ويؤكد فهد الحمد، رئيس المبادرة، أن العمل ضمن «أنا أقدر» لم يكن مجرد تجربة تطوعية، بل كان نقطة تحول شخصية في حياته. فالحمد، الذي كان يعاني في السابق من العزلة بسبب إعاقته الحركية، وجد في المبادرة مساحة للنمو، واكتشف مهارات لم يكن يدرك أنه يمتلكها. ويصف الفوز بجائزة «أخلاقنا» بأنه أفضل مكافأة يمكن أن يحصل عليها الفريق، لأنها لم تُمنح فقط تقديراً لما قدموه من جهود، بل لأنها أثبتت لأصحاب الهمم أن بإمكانهم الإبداع والتميز مهما واجهوا من تحديات.
وتروي قصص الأعضاء الآخرين تفاصيل أكثر عن أثر المبادرة.
أيوب الجناحي، أمين سر المبادرة، يعترف بأن حياته قبل «أنا أقدر» كانت محاطة بالخجل والخوف من التواصل بسبب إعاقته في النطق. سنوات طويلة عاشها بعيداً عن الناس، مما أثر على دراسته وثقته بنفسه. غير أن انضمامه إلى المبادرة فتح أمامه أبواباً جديدة، فشارك في الحملات، وتفاعل مع الجمهور، وتعلم كيف يكسر حاجز الخوف، حتى أصبح شاباً اجتماعياً قادراً على المبادرة والمشاركة. ويصف الجناحي هذه التجربة بأنها «استعادة للحياة»، لأنها منحت لصوته مساحة لم تكن متاحة من قبل.
وتتكرر القصة مع نور المسلماني، التي واجهت تحديات كبيرة بسبب إعاقتها البصرية. فقد كانت تخشى الظهور، وتعتقد أن إعاقتها ستقف دائماً عائقاً بين رغبتها في التطوع وحبها لمساعدة الآخرين. لكن المبادرة، كما تقول، شكلت لها رحلة اكتشاف لذاتها، وجعلتها تؤمن بأن الإعاقة لا تلغي القدرة على الإبداع. وتصف فوز المبادرة بجائزة «أخلاقنا» بأنه انتصار معنوي لها ولجميع أصحاب الهمم، مؤكدة أنها باتت أكثر ثقة بنفسها وأكثر قدرة على مواجهة المستقبل، خاصة وهي تحلم باستكمال دراستها العليا والحصول على درجتي الماجستير والدكتوراه.
وقد حظيت المبادرة بتكريم خاص من سمو الشيخة موزا بنت ناصر، التي سلمت أعضاءها جائزة «أخلاقنا»، في لحظة اعتبرها المشاركون علامة فارقة في مسيرتهم. فالجائزة، التي تستند إلى قيم الرحمة والتسامح والصدق والكرم، لا تُمنح إلا للمبادرات التي تشكل نموذجاً أخلاقياً يحتذى به، وتمثل رسالة إنسانية تصل إلى المجتمع بأكمله.
ولا يقتصر تأثير «أنا أقدر» على قصص أفرادها فحسب، بل يمتد إلى دورها في إلهام المجتمع وتغيير النظرة السائدة تجاه أصحاب الهمم. فالمبادرة لم تكتف بإبراز قدراتهم، بل استطاعت أيضاً أن تنشر ثقافة الوجه الإيجابي للإعاقة، وأن تؤكد أن العمل المجتمعي ليس حكراً على أحد، وأن القوة تكمن في الإرادة لا في الجسد. كما أسهمت في نشر قيم العمل الجماعي، والسعي المشترك من أجل مجتمع أكثر تكافلاً وشمولية، حيث تعمل مختلف الفئات جنباً إلى جنب من أجل تحقيق هدف إنساني واحد.
وتؤكد مؤسسة قطر، من خلال هذه الجائزة، التزامها بتعزيز دور الشباب ونشر القيم الإنسانية، ودعم المبادرات التي تجسد أفضل الأخلاق في السلوك والعمل، ليكون الفائزون سفراء للقيم، ينشرون رسالتها في المجتمع ويلهمون الآخرين للعمل والمشاركة.
وتشير التجربة إلى أن مبادرة واحدة يمكنها أن تغيّر حياة أفراد، وأن تترك أثراً يتجاوز حدود الجهود التطوعية ليصل إلى أسلوب جديد في التفكير، وصورة أوسع لمفهوم التمكين، وإيمان أعمق بأن المجتمع القوي هو المجتمع الذي يحترم التنوع ويحتضن جميع أفراده دون استثناء.
